لكل من يعمل فى مجال التربية الخاصة، ومن يهتم بذوى الإحتياجات الخاصة


    هــكــذا علمتنــــــي الإعــــاقـــة

    شاطر

    almagraby
    Admin

    عدد الرسائل : 221
    العمر : 49
    تاريخ التسجيل : 11/04/2008

    هــكــذا علمتنــــــي الإعــــاقـــة

    مُساهمة  almagraby في السبت مايو 03, 2008 2:12 pm

    {{..هــكــذا علمتنــــــي الإعــــاقـــة...}}

    هذه قصة احد الاصدقاء كما كتبها بنفسه



    منذ الطفولة الباكرة، وفي سن الثالثة،توشحت رداء المرض والإعاقة ،مرض متطور يصيب جميع عضلات الجسم ،ويفقدها فعاليتها مع مرور الزمن،إنه (مرض ضمور العضلات الشوكي)الذي يفقد المرء طعم الحياة ،ويجعله دائم التفكير في واقعه ومصيره،كيف لا وهو لا يدع عضلة من عضلات الجسم،إلا ويشل حركاتها،سنة بعد سنة،وهو الذي مازال يحير العلماء والباحثين.
    كانت طفولتي،طفولة بائسة على أكثر من صعيد،كنت أسكن في قرية جبلية نائية،وأضطر لقطع حوالي ثلاثة كيلومترات مشيا على الأقدام،من البيت إلى المدرسة على مسالك وعرة،وخالية من السكان،وإن كان المرض خفيفا في البداية،إلا انه كان يعيقني عن اللعب مع أقراني ،فكان الحرمان الأول من ممارسة طفولتي على أكمل وجه ،وانغرست في ثنايا روحي ،عقدة نفسية،وإن كان جانبها السلبي يتمثل في ذلك الخجل والانطواء اللذان لازماني طويلا،والحساسية المفرطة اتجاه تصرفات الغير،إلا أنها وفي جانبها الإيجابي،كانت حافزا،ومحرضا قويا لي كيما أمتطي صهوة الإرادة والتحدي،وأحاول تعويض ذلك النقص الجسدي الذي أعانيه،بالسفر في فضاءات الدراسة والمعرفة،فكنت الطفل الرجل،منذ الطفولة الأولى،واكتمل وعيي باكرا بما يدور حولي ،وبما أعانيه،وبما يجب علي فعله ،فكنت دائما من بين الأوائل في الصف المدرسي ،إلى أن جاءت الطامة الكبرى حينما أقعدني المرض تماما في سن الرابعة عشرة ،وجعلتني حبيس كرسي متحرك صار جزءا من ديكور حياتي،كنت حينها أطرق أبواب المراهقة،وأتطلع إلى مستقبل أفضل ،وأنا أعبر مسالك العلم بثبات واستقامة،فكان البعد عن الدراسة وعن العالم الخارجي مدة ست سنوات ،كنت خلالها حبيس بيت ضيق لا يستجيب لأدنى متطلبات الحياة الكريمة،مع أسرة كبيرة العدد ،وفقيرة الحال،حتى أنني بدأت أغوص في دوامة من اليأس والاستسلام لواقع كان يدفع بي إلى حافة الجنون ،والإنتحار..وكانت الإعاقة تزداد قسوة وعنفوانا،وتفقدني المزيد من الحركات اليومية الضرورية ،حتى صرت أعتمد على الآخرين،بصفة كبيرة،حتى في الأمور الجد شخصية،والمحرجة في بعض الأحيان.
    وأنا على هذه الحال ،كنت دائم المطالعة والقراءة ،ومن خلالها كونت لنفسي قاعدة ثقافية صلبة،أعادتني إلى معانقة الحلم من جديد ،بمساعدة القلة القليلة من المقربين من الناحية المعنوية ،فقررت ذات يوم أن أكون،وقد كان الكثيرون ممن قرأت عن سيرهم الذاتية،قدوتي في الحياة،وأبرزهم على الإطلاق(الشهيد البطل:الشيخ احمد ياسين) من حيث تحدي الإعاقة والعجز الجسديين والتحليق بعيدا..بعيدا في فضاءات المقاومة بكل أشكالها،وهو القعيد الذي حير العالم،وأذهل الجبابرة الصهاينة،برجاحة عقله،وجهاده بالنفس والنفيس لأجل كيان أمته،برغم حالته الصحية الخطيرة،أما الشخصية الثانية فكانت شخصية الأديب الكبير((عباس محمود العقاد))من حيث اعتماده على النفس لبلوغ أعلى المراتب الأدبية والعلمية،بعصامية متفردة جعلت منه هامة من هامات الأدب العربي الحديث.
    ومن هنا أعدت ترتيب أولوياتي،ومشاريع عمري،وقد ضبطت ساعتي الداخلية على هدف واحد أنفقت فيه كل طاقاتي النفسية والجسدية،متوكلا على الله – سبحانه وتعالى – ومستعينا بما تيسر لي من قدرات،فقررت أن أكمل دراستي عن طريق المراسلة، وتدرجت من فصل إلى فصل ،إلى أن حصلت على شهادة الباكالوريا –شعبة آداب وعلوم إنسانية(كمتر شح حر) وقد تفاجأ الكثيرون بحصولي على هذه الشهادة ،كوني كنت أدرس في البيت،ولكن فرحتي بالتتويج كان يكدرها شيء واحد سيطر على كل تفكيري،ألا وهو : كيف يمكنني اجتياز المرحلة الجامعية التي لا مناص فيها من الذهاب إلى الجامعة،ومقارعة كل المعوقات التي تعترض طريقي،خاصة وأن الكثيرين-وبناء على نمطيتهم في النظرة إلى الشخص المعاق- حذروني من متابعة الدراسة،وحدثوني كثيرا عن المصاعب الجمة التي يعانيها الطلبة المعافون،فما بالك بالطلبة المعاقين..؟؟ وقد حدثتني نفسي كثيرا،وطوال المدة المتبقية للدخول الجامعي، أن أكبح جموح طموحي ،وأكتفي بهذا القدر من النجاح،حيث كانت ظروفي قاسية ومؤلمة إلى حد لا يطاق ،ولكن رحمة الله الواسعة،دائما تنقذني في آخر لحظة،وتعيدني إلى سكة التحدي والمقاومة.

    وفعلا قررت أن أجرب حظي،مهما كانت المصاعب والمطبات ،ووجدت في انتظاري كل تلك العوائق التي تصورتها وأكثر،ابتداء من الحي الجامعي الذي لم يكن ملائما للأصحاء فما بالك ،لشخص يعاني شللا تاما ،ومرضا حساسا لا يعلم مداه سوى الله-سبحانه وتعالى،مرورا بصعوبة التنقل من الحي الجامعي إلى الجامعة المركزية ،ووصولا إلى السلالم المنتشرة في كل مكان،هذا من الناحية المادية،أما من الناحية المعنوية،فكنت –وأنا الإنسان الحساس،الغارق في كبرياء زائد،وعقلية خاصة صعبة المراس- كنت أعاني نفسيا ،وأنا أطلب يد المساعدة من زملاء الدراسة،وأنا أجبر – في كل مرة – أخا من إخوتي على الذهاب معي إلى الجامعة والمكوث بجانبي مدة تفوق –أحيانا – الأسبوعين ، راضيا كان أم غير راض،بمعنى أنه ،أحيانا بطيب خاطر ،وأحيانا لمجرد أداء الواجب الأدبي.

    وتمر الأيام والسنون ،وأتعود على هذا الوضع الجديد،ومن ثم أأسس شبكة زملاء وزميلات ،ما فتئوا أن أصبحوا أصدقاء مقربين،وصرت حينها مركز جذب للكثيرين الذين كانوا يرون في شخصي المتواضع،قدوة يستمدون منها قوة الإرادة والصبر ،والمقاومة،كلما ألمت بهم المصاعب والمتاعب،وكنت- بموازاة الدراسة – أسكب حمم الروح ،وتفاصيل الألم الذي يتأجج بدخيلتي ،على بياض الورق ،على شكل قصائد منزوعة من سراديب الأعماق ،شكلت متنفسا هاما لي ،هذه القصائد التي دونت فيها تصوري للحياة ،برؤى فلسفية خاصة ،وكانت تشغلني أحوال الأمة الرازحة تحت نير التخلف والظلم والخيانة،وجرح القدس بالتحديد،فكان النصيب الأوفر لقصائد الثورة بمعناها العام،ثورة الذات على كل ذلك العالم الخارجي المحيط ، والثورة على الغربة التي يعيشها الإنسان المعولم، والثورة على الأوضاع التي تعيشها أمتي من المحيط إلى الخليج،وكان جرح الجزائر-آنذاك-ينزف بغزارة، والفتنة تكشر عن أنيابها،وتفتك بأبناء هذا الوطن الذي ضحى لأجله مليون ونصف المليون من الشهداء الأبرار.

    وهكذا سافرت في أتون بحر من الطموح تخللته الكثير من العوائق التي لا تحصى في هذا المقام ،وحصلت أخيرا على شهادة الليسانس في الحقوق،من جامعة قسنطينة العريقة سنة2002،واتبعتها بشهادة الكفاءة المهنية في المحاماة سنة2004،وأنا مرفوع الهامة ،شامخ الرأس،وقد استطعت أن أرسم أمامي مسارا طويلا ،استطعت-بقدرة الله وتوفيقه-أن أجتاز عقباته ،وتوجت أخيرا بكل ما قد كنت قد سطرته منذ البداية ،واعتقدت جازما أنني فعلت ما كان يجب علي فعله،وأنني أديت دوري بامتياز وأكثر نظرا لكل تلك الظروف السالفة الذكر،وانفتحت آفاق أخرى على مرمى عيوني ،إذ كلما حقق الإنسان بعضا من أحلامه البسيطة ،كبرت هذه الأحلام ،وتوسعت نظرته للحياة أكثر من ذي قبل ،وصارت أحلامه أكثر صعوبة وتعقيدا،إذ صرت أحلم بالحصول على وظيفة قارة ،ومناسبة لوضعيتي الصحية ،ومنزل واسع يستجيب لمتطلبات الحياة الكريمة ،واتسعت رقعة أحلامي إلى منطقة يحظر على ذوي الاحتياجات الخاصة دخولها ،أو حتى الحديث عنها،ألا وهي مسألة تكوين أسرة صغيرة ومن ثم الاستقرار العاطفي والنفسي.
    ولكن للأسف الشديد ،مازلت أصارع وأواجه جبهات كثيرة،لأجل تحقيق هذه الأحلام الأخيرة ،بل أجاهد على أكثر من صعيد كيما اقتل كل بوادر اليأس والقنوط التي تحاول أن تتسرب إلى أغوار النفس ،كيف لا والوظائف صارت تباع وتشترى في سوق الخسة والنذالة،وصار الحصول عليها لا يمر إلا بسلطة الرشوة المادية والمعنوية،وكذا الواسطة والمحسوبية ،أما الحصول على سكن لائق فهو كذلك لا يمر إلا بما ذكرته ،ولكن بأثمان وإضعاف مضاعفة،أما حلم الارتباط بالطرف الآخر،وتكوين أسرة فهو –في نظر الكثيرين-في حكم المستحيل،خاصة وان المجتمع لم يصل بعد إلى ذلك النضج الذي يجعله يتقبل فكرة زواج ذوي الاحتياجات الخاصة،والتجارب والقصص في هذا المجال كثيرة،ومتنوعة .
    وانطلاقا من كل هذه التحديات،والصعاب التي تشبه الجبال الرواسي ،بالإضافة إلى ازديان عنفوان الإعاقة،أستطيع أن أدعي الجزم بان الإعاقة، وإن كانت مرة وقاسية إلا أنها علمتني أشياء كثيرة ،ما كنت لأعيها ،لو كنت صحيحا معافى،وسألخصها فيما يلي:

    (01) سمة التأمل والتبصر: لما كانت الإعاقة تكبح جماح الحركة لدى المصاب ،فإنها بالمقابل تطلق له عنان التأمل في ملكوت الله،وتمنحه هذه الميزة التي تساعده على تأمل وفهم الكثير من الأمور التي قد لا ينتبه إليها الآخرون،وقد أثبتت الدراسات أن التأمل يحسن من الوضع الصحي لمواقع في الدماغ وجهاز المناعة، وهو إحدى وصفات التقليل من درجة الضغط النفسي والبدني، ووسيلة لتقليص أو تخفيف الآلام الناتجة عن الأمراض على تنوعها،ومن هنا ساعدتني هذه السمة على اتخاذ العديد من القرارات الصائبة المبنية على أسس صلبة،بعد طول تأمل لتجارب الآخرين ،وللحياة بصفة عامة.
    (02) رؤية العالم بمنظار خاص: وتبعا لذلك التأمل العميق في جوهر الأشياء،وفي هذا الكون الفسيح بما فيه من تناقضات ،أصبحت لي نظرتي الخاصة للأشياء،جعلتني أتميز على الآخرين،طبعا لكل من في هذا العالم نظرته الخاصة للأشياء،ولكن نظرة المتأمل المراقب،تختلف عن نظرة الآخرين ممن ينخرطون في الزمام الكبير،مثلما تختلف درجات المتدبر للقرآن الكريم،عن الذي لا يتدبر معانيه ومراميه.
    (03) التخطيط الجدي المحكم لكل صغيرة وكبيرة: إن الإعاقة الكبيرة تجعل المرء ومنذ وعيه الأول يحسب ألف حساب لكل خطوة يقوم بها مهما كانت صغيرة،وتافهة في نظر الآخرين،كيف لا وهو يحسب حتى لكيفية قضاء حاجاته البيولوجية-أكرمكم الله- أو الاستحمام ،أو ارتداء الملابس...إلخ،ومن هنا وطنت نفسي على مهارة التخطيط المسبق لكل شيء أريد عمله،حتى أنني أتهم في الكثير من الأحيان ،بالجدية المفرطة التي قد تؤدي-في بعض الأحيان-إلى نتائج عكسية،ولكن مع وضوح الهدف تهون كل الصعاب والمعوقات ،وقد كان هدفي واضحا ألا وهو:الحصول على أعلى المراتب العلمية،حسب الوسائل المتاحة ،والظروف السانحة .
    وربما العيب الذي أتميز بــه- في نظر المقربين- هو ترددي المفرط في اتخاذ بعض القرارات المصيرية التي لم أخطط لها بكيفية كبيرة مسبقا،قناعة مني بأن أي أمر أقدم عليه،يجب أن أتقنه مائة بالمائة،وإلا فلا .

    (04)الصبر والتصبر: تساعد الإعاقة الإنسان المبتلى على الصبر الجميل النابع من الأيمان
    الراسخ بالقضاء والقدر خيره وشره،وأي صبر أعظم من صبر إنسان فقد أغلى ما لذا الإنسان ،ألا
    وهي الصحة والعافية،وبخاصة ذلك المشلول الذي لا يستطيع حتى مسك الملعقة،قدوته في ذلك صبر
    الأنبياء والمرسلين،،وبخاصة صبر سيدنا أيوب-عليه السلام-وهي رتبة لا يبلغها سوى الراسخون في
    الأيمان.

    والإنسان المؤمن،دائما تمر بناظريه السور القرآنية الكثيرة التي تجعل من الصابرين في أعلى
    المراتب،مع النيين،والصديقين،والشهداء،حيث يقول المولى –عز وجل-{{ إنما يوفى الصابرون أجرهم
    بغير حساب }}ويقول –سبحانه:{{ الذين إذا أصابتهم مصيبة،قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون*أولئك عليهم
    صلوات من ربهمورحمة وأولئك هم المهتدون }}ومن ثم يصير أمر الصبر على الأمور الأخرى العادية
    أمرا هينا،وإذا لم يستطع الشخص المبتلى صبرا ،في لحظات الضعف الإنساني التي يمر بها كل
    البشر،فلا مناص له من التصبر،ومن هنا يتعلم من مدرسة الحياة أن الصبر رفعة،والتريث حكمة وقوة.

    (05) التحفيز لامتطاء صهوة النجاح: تعتبر الإعاقة من أكبر وأرقى المنبهات ،والمحفزات التي تسافر
    بالشخص المعوق إلى عوالم الطموح والتحدي،هذا الطموح وهذا التحدي هما اللذان يطيران بالإنسان
    المبتلى بالإعاقة، من غياهب العجز واليأس والكآبة ،إلى فضاءات الحلم والتألق والنجاح،فالإعاقة
    محرض مهم جدا يستفز كل القدرات الكامنة في أعماق الروح،كيما تخرج على شكل عمل عظيم،قد يبقى
    ماثلا عبر كنموذج للقدوة الحسنة على مر الزمان،وهكذا كانت الإعاقة هي المحفز الكبير لي كي أكون،
    فالحياة رهان ،والرهان هو أن تكون،أو لا تكون.

    (06) الشعور الدائم بالضعف :يعني الشعور بالضعف الإنساني أمام خالق الكون-سبحانه وتعالى- هذا
    الشعور الذي يولد في النفس حب التواضع والبساطة،والحاجة إلى الله عز وجل،والالتجاء إليه كلما
    تكاثرت وتناسلت على قلوبنا هموم الدنيا الكثيرة،لذا كنت ولا زلت أتواضع لكل الناس،وأحب كثيرا كل
    المتواضعين ،وأمقت كل الذين يأسرهم الكبر والتعالي،قال الله تعالى{{ولا تمش في الأرض مرحاً
    إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً }}صدق الله العظيم


    _________________
    - إن اكثر ما يكون اثارة وروعة لدى الإنسان هو قوته على أن يغير نفسه بالتعلم
    - أتطلع أن أكون متميزاً في الأداء والعطاء بإذن الله
    - وأن اعمل على تقديم خدمات تربوية وتعليمية متميزة ذات جودة عالية ، ونموذجاً يحتذى به في الجودة والتميز
    - جميل أن يكون لك قلب يشعر ويحس بالأخرين..ولكن الأجمل ..أن تقدم شيئاً يغير من حياتهم

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد أكتوبر 22, 2017 12:33 am